أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

23

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

الوظيفة الخامسة : أن توطن نفسك على التعلم إلى آخر العمر ، لما قيل : الطلب من المهد إلى اللحد . ومن كلام الإمام الشافعي : صناعتنا هذه رق الأبد فمن قصد أن يتركها ساعة فليترك الساعة . وقيل : من ظن أن للعلم غاية ، فقد بخسه حقه . أما سمعت قوله تعالى « لحبيبه » وهو أعرف العارفين باللّه وصفاته وأحكامه : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 1 » . وقوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « 2 » . وسئل عبد اللّه بن المبارك : إلى متى تتعلم ؟ قال : لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد . روى أن حسن بن زياد أخذ في التفقه وهو ابن ثمانين سنة ، ولم يبت على الفراش أربعين سنة ، فأفتى بعد ذلك أربعين سنة . والحيلة في صرف جميع الأوقات إلى التحصيل أنه إذا مل من علم ، اشتغل بآخر ، كما قال ابن عباس ، رضى اللّه عنهما ، إذا مل من الكلام مع المتعلمين : هاتوا ديوان الشعراء . وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل ، وكان يضع عنده دفاتر ، وكان إذا مل من نوع ينظر في آخر ، وكان يزيل نومه بالماء ، وكان يقول : ان النوم من الحرارة . فعليك أن تغتنم من أزمان العمر أيام الحداثة وعنفوان الشباب ، ومن الأوقات ما بين العشائين وأوقات السحر ، وأصل الكل ملازمة السهر . وقد قال موسى صلوات اللّه عليه وسلامه : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً « 3 » ليعلم أن سفر العلم لا يخلو عن النصب ، ولا بد من اختياره ، لأن طلب العلم أمر عظيم ، بل هو أفضل من الجهاد عند الأكثرين ، وأن موسى عليه السلام مع كونه نبيا اختار هذا النصب في طلب العلم . وينبغي أن لا يضيق صدرك ممن ينكر قدرك لما قال أفلاطون : لا يضرن جهل غيرك بك علمك بنفسك .

--> ( 1 ) سورة طه ، آية : 114 . ( 2 ) سورة يوسف ، آية : 76 . ( 3 ) سورة الكهف ، آية : 62 .